إعلام وميديابوليتيك

تحليل انتخابات تونس الرئاسية 2019

مقالة هامة للأستاذ لخضر رابحي

تحليل انتخابات تونس الرئاسية 2019
مقدمات أساسية بين يدي الموضوع :

– مرت تونس من 1956 إلى 1987 بالنظام الأبوي المتسلّط لبورقيبة الذي فرض أراءه باسم التحديث بالقوة وواجه المخالفين بالقمع.
– استمر زين العابدين على نفس نهجه في النظام الأحادي البوليس تحت تبرير التحديث من 1987 إلى 2011 تاريخ سقوطه باسم الثورة الشعبية.
– خلال 55 سنة من منطق الأحادية والتبعية للنموذج الفرنسي نشأت نخب متغربة ومعادية للثوابت سيطرت على مفاصل الحكم وعلى المال والإعلام.
– وتعرّضت النهضة وبعض المعارضة من التيار اليساري إلى حملات قمع ممنهجة لكن النهضة أكبر فصيل دفع الثمن في الأرواح والمجروحين وفي السجون وفي الطرد من العمل وملاحقة النساء حتى في لباسهن.
لماذا فازت النهضة بعد 9 أشهر من الثورة ؟
طبيعي فقد كانت تحمل نفسا ثوريا متناغما مع الشارع ويحتفظ المواطن التونسي لها بصورة المعارضة الجادة التي دفعت الثمن، وجاءت انتخاباتها الأولى لاختيار المجلس التأسيسي في أجواء الفعل الثورة وهو في ذروته وجاءت في أجواء المدّ الثوري الأول ونجاحات الربيع العربي وخطابها واضح وقويّ، ولا اعتراض على رجالها ولا مرشحيها فهي التجربة الأولى.
متى بدأت النهضة تفقد من وعائها وزخمها ؟
بعد نجاحها الأول ودخولها في ” الترويكا ” والتحالف مع العلمانيين، وتحديدا بعد 2014 و دعم الباجي السبسي وتحالفها مع رموز النظام القديم العائد باسم ” نداء تونس ” والفائز في انتخابات 2014 ب 85 مقعدا مقابل 69 للنهضة بدأ ينالها الكثير من النقد وتعرضت لحملة ممنهجة وكبيرة، خصوصا بعد الانهيارات التي بدأ يتعرض لها الربيع العربي في مصر وفي ليبيا وفي بعض الدول وبدا جليا أن تونس مهد الثورات العربية قد تكون هي المقبرة النهائية لحلم الربيع العربي.
فتبنت النهضة رؤية إستراتيجية لإنقاذ الحالة الديمقراطية في تونس بالتنازل والتحالف مع دوائر النظام القديم وحاولت أن تجد فيه ثغرة بالتسلل إلى بعض مفاصله اللينة عن طريق التحالف مع يوسف الشاهد في وجه السبسي الذي فتح بسبب ذلك معركة إيديولوجية حول الميراث كان القصد منها نكاية النهضة وجرّ تونس إلى المماحكات الإيديولوجية، وفي هذه المرحلة من التحول ظهر تملل كبير في صفوف النهضة، وحدثت بعض الانقسامات الصغيرة، وأصبح حتى مورو أحد بوادر الانقسام المستقبلي وإن كان ذلك غير مرئي للكثير من ال ملاحظين، وتعرضت النهضة إلى نقد لاذع من شباب الثورة ومن رجال النظام السابق، ومن التيار العلماني ومن اليساريين والإسلاميين.
النهضة وثمن الرؤية الإستراتيجية :
بعد انهيار الربيع العربي والضربة الموجعة في مصر اتخذت النهضة رؤية إستراتيجية مفادها حماية المسار الديمقراطية كأولوية بالتنازل والنأي بالنفس عن المعارك الإيديولوجية، ومحاولة تقليل الدعاية والاستهداف ضدها من محور فرنسا وحلفائها ومن المحور العربي السعودي المصري الإماراتي الذي بات ينفق الملايير لمنع أي نجاح لتجربة إسلامية.
صرّح الغنوشي مرات أن الأولوية للحرية وللديمقراطية لكن الاتجاه ” الشعبوي ” ميّع هذه الرؤية وشباب الثورة المستعجل والذي لا يحمل في ذاكرة الألم الماضي بثقله وهمومه لم يكترث كثيرا للنظرة الإستراتيجة للنهضة وتحول نقد الجزئيات إلى نقاط كبيرة تغطي على حسنات النهضة التي كانت من الأعمدة الأساسية في نجاح الثورة وفي نجاح التحول الديمقراطي، وحتى في انتخبات 2019 دخلت النهضة بهذه الرؤية لصالح تونس.
النهضة لم تكن تعوّل على الانتخابات الرئاسية :
موت السبسي والدعوة إلى انتخابات رئاسية مسبقة من المؤكّد أنه أربط حسابات النهضة، ولقد تأخرت كثير في البحث عن ” العصفور ” النادر كما صرح الغنوشي، وتأخرها كانت له أسباب موضوعية وأسباب أخرى. فيبدو أن النهضة نتيجة إستراتيجيتها في اعتبار الموعد الرئاسي ليس رهانا كبيرا، كانت تفضل فوز يوسف الشاهد التي حاولت أن تدعمه لو توفرت أجواء ذلك من أجل اختراق داخل نواة النظام القديم، لكنها لم تقدر بسبب الحالة الثورية وحالات الغضب عند أبناء النهضة وفي الشارع التونسي، فقد كان الغضب ضد الحكومة واضحا ومتعاليا بسبب الفشل في البرامج الاجتماعية.
لماذا اختارت النهضة مورو ؟
الشيخ مورو أحد مؤسسي حركة النهضة وكان قبل 2014 خارج النهضة وفي خلاف معهم. بل لقد ترشح بعد الثورة في 2011 في ” التحالف الديمقراطي..” ولم يفز بمقعد وفاز بالنيابة تحت عباءة النهضة كما أصبح نائبا للمجلس ثم رئيسا بالنيابة باسم النهضة، ويبدو أن اختيار النهضة لمورو لم يكن بغرض الفوز به، لكن لمعالجة اختلالات داخلية، وللهروب من دعم المرزوقي وغيره ممن يملكون النفس الثوري.
وكل ذلك كان بسبب ثقل الرؤية الإستراتيجة للنهضة للحفاظ على نجاح التجربة الديمقراطية في تونس من الأخطار التي تتهدّدها.
لم تتوقع النهضة ولا الرأي العام تصدر قيس.
في تقديري الخاص النهضة كانت تتوقع صعود اسم الشاهد في الدور الأول، لكن التصويت كان عقابيا ضد الحكومة، خسر رئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس حكومة سابق ورئيس البرلمان بالنياية وخسرت أحزاب التحالف الرئاسي.
صعد في الانتخابات جامعي لا ماضي له في المسؤوليات ورجل أعمال ينفق على الفقراء وسجنه الشاهد لكي يتفرّد.
لماذا قيس ولماذا القروي ؟
صوت لقيس حسب استطلاعات الرأي شباب الثورة ونسبة جديدة تصل إلى 30 بالمائة لم تنتخب من قبل
تراجع نسب الانتخابات من 63 إلى 45 يدل على الغضب من السياسات المنتجة.
أبرز صفات في الرجل الزهد والووضح والقوة والالتحام مع أهداف الثورة فقد دخل بشعار ” الشعب يريد ” صحيح دعمته بعض التيارات الإسلامية فهو رجل محافظ وقف ضد المساواة في الميراث بوضوح عكس الالتباس الذي ظهر عند النهضة أو مورو
وفي قراءة طبيعة من انتخب عليه ندرك أسباب نجاخه فقد انتخب معه أكثر فئة الشباب التي تتراوح أعمارهم بين 18 و26 والمناطق الفقيرة وفئة 46 60 سنة المحافظة جدا، كما فاز في فئة التعليم الثانوي والجامعي.
أما القروي فسجنه من السلطة المغضوب عليه رفع من أسهمه بالإضافة إلى نشاطه الحثيث في المناطق الفقيرة فقد صوتت المناطق الفقيرة عليها عاليا واحتل المرتبة الأولى في المناطق المحرومة والفئات التي لم تدخل المدرسة أصلا فهو امتلك جمعية ” خليل تونس ” للأعمال الخيرية وقناة ” نسمة ” وقام بعمل منهجي منذ سنوات صنع له هذه الرصيد المعتبر، بالإضافة أنه أخذ من وعاء ” نداء تونس ” الذي تشتت.
لماذا لم يفز مورو ؟
– لم يكن الموعد رهانا وطبيعي أنها لم تعطه طاقتها ولو كان رهانا لترشح الغنوشي.
– تأخر النهضة في القرار مما جعل قواعد الحركة تحدد خياراتها كما صرح بذلك الغنوشي نفسه.
– انقسام قواعد النهضة وقد كان ذلك واضحا من خلال تدخل الغنوشي.
– تشتت أصوات النهضة بين الجبالي ومخلوف والمرزوقي.
– عبء خطها الإستراتيجي القاضي بالتنازلات لصالح الانتقال الديمقراطي.
– دفع ثمن ” الترويكا وتأييد البسي.
– ضعف خطاب حملة مورو وخلوه من عناصر الاستقطاب.
– خسر مورو في فئة الشباب وفي الإناث وفي المثقفين وفي الفقراء وفي المكون الإسلامي المحافظ
– فقدت الحركة من وعائها وبحثت عن وعاء مملوك وليس لها فيه نصيب.
– شخصية مورو لم تكن بتلك البهرجة المسوقة فلقد أثبتت استطلاعات الرأي منذ 4 سنوات عدم تقدم اسمه وقد وقع له مثلما قال ابن العربي عن أبي حامد الغزالي : ” لا الفقهاء رضوا به ولا أهل الكلام رضوا به ولا الفلاسفة رضوا به ” فلا العلمانيون صوتوا له ولا الإسلاميون وكل ذلك نتيجة عبء الإستراتيجية ونتيجة التمزق في الهوية وعدم الوضوح.
هل خسرت النهضة ؟
– لا أعتقد فلم يكن رهانا له مهما حاولت إخفاء ذلك
– بل ربحت زيادة في تماسك صفوفها الداخلية فقد تفجر لغم بقصد أو بغير قصد كان ممكن أن يستعمل للتقسيم لاحقا.
– تحملت عبء اختيار الخط الإستراتيجي وطبيعي أن مثل هذا الاختيار له ضريبة المهم أن لا تكون كبيرة
– وعاء النهضة تشتت بين عدة شخصيات لكن وعاء نداء تونس كذلك فالنهضة في الدور الثاني ستكون قوة مرجحة.
– المشكلة أن لا قيس خيار مفضل عندها ولا القروي وهو ما سيععب من خيارها التي تجتهد أن لايؤثر على البرلمان يأت.
– من المؤكّد أن رهان النهضة الانتخابات التشريعية وتقديم الغنوشي لهذا الموعد لكن الانتخابات الرئاسية قدمت دروسا لا ينبغي تجاوزها وعلى النهضة مراجعة الخطاب والبرنامج وأسلوب التواصل مع فئة الشباب والنساء والمثقفين وحسن التعامل مع المكون المحافظ والإسلامي وأن لا تقدّم تنازلات فكرية تنال بالمجان من وعائها وأن تحسن التزواج بين الخط الإستراتيجي وخط المحافظة على تنامي الوعاء الانتخابية.
أسأل الله أن يوفقهم فقد قدموا دروسا جيدة وتجربة رائدة وناجحة
أ.رابحي

تعليقات الفايسبوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق