إعلام وميدياالأخبار

أيها المعلمون: رسالة العام الجديد

إلى المعلمين في كل الأطوار والمراحل التعليمية في جميع أنحاء عالمنا العربي والإسلامي

إلى المعلمين في كل الأطوار والمراحل التعليمية في جميع أنحاء عالمنا العربي والإسلامي:
#رسالة_العام_الجديد
بقلم: #عبدالقادربودرامة، معلم.
**********************
* أيها المعلمون؛
ها نحن نستقبل عاما جديدا بعد أن ودعنا سابقه.. وليس ذلك بجديد علينا، إذ ألفنا الاستقبال بعد التوديع وتعودناه، حتى لم نعد نشعر به شعور الحازم العازم، الجاد المجد! بل هو شعور الآسف الآفل، الفاتر الحزين!
نقطع الأيام، وكل يوم مضى يدني من الأجل! ونمضي الأعوام تسير بنا نحو محطتين؛ موت محقق لا نعلم متى هو. وتقاعد ملزم لا نعلم كيف هو.
وعند الموت تنكمش الأعوام والسنون، ويخيل للناس كأن لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها!
وعند التقاعد تنكمش الأعوام والسنون أيضا، ويتراءى للناس ربيع العمر كيف مضى سريعا، وترك صاحبه صريعا! يتحسر على زمان مضى وانقضى.. ولن يعود!
* أيها المعلمون؛
لو صح للإنسان أن يعيش كرتين، لربما جاز له أن يلهو في الأولى ويتراخى ويُعَوِّل… ولكنها حياة واحدة، فنفخة واحدة، فجنة أو نار خالدة! فكيف اللهو والتراخي والتعويل، والعجز يطارد والموت والرحيل؟!
وآه يا صاحب الرسالة وحامل الأمانة من تضييع الرسالة والتفريط في الأمانة! عُرضت عليك فحملت، فأنى لك أن تُضيع فتكون ظلوما جهولا!
يا وريث الأنبياء؛ ما كان مُوَرِّثوك رجال سَوْء، فاحذر أن تكون!
وما هانت عندهم رسالة العلم، فاحذر عندك أن تهون!
ولعمرك؛ ما ساءت الرجال إلا بسوء الأخلاق وضياع القدوة!
وما هانت الرسالات إلا بسوء الفهم وتحريف الغايات!
فكن على خلق الأولين، وانتصب قدوة للآخِرين.
وافهم المقصد والغاية، ولا تنحرف عنهما بضعف دراية.
وليكن لك من جهاد نفسك للارتقاء بها نصيب أيما نصيب.
وليكن لك من الإخلاص لربك كل النصيب.
* أيها المعلمون؛
لقد كتب عليكم أن تكونوا في أمة شاهدة على الناس، لكنها فقدت متطلبات الشهادة؛ تخلف وتبعية وفساد… كيد أعداء وعجز علماء وجهل أبناء…
أمة تشكو ضعف قوتها وقلة حيلتها وهوانها على الناس… البعيد يتجهمها، والعدو تَمَلك أمرها…
أمة: الجرح في الصدر من أعدائها نفذ… والجرح في الظهر من صدقانها القدم!
أمة مضاعة تدوسها الأقدام… ردمت البحر بالسدود، وانتصبت ما بينها وبينها الحدود… فماتت وداست فوقها ماشية اليهود!
قدر لم تختاروه، أن تكونوا في أمة هذا حالها وهذا شأنها… وقدر حَملتموه أن تكونوا في مهنة التعليم التي تحمل وزر كل تخلف وتبعية وهوان…
الناس تنظر إليكم نظرة الغريق لمن هب لإنقاذه… وتنتظر منكم ما يُنتظر من نبي وصِدِّيق وشهيد…
سلموا لكم فلذات أكبادهم، وينتظرون منكم أن تصنعوا منهم ما لم يصنعوا هم بأنفسهم وما لن يستطيعوا صنعه بأولادهم!
سلموهم لكم وهم بين خوف من فشل، ورجاء في النجاح وأمل!
ولعمري؛ ما النجاح المقصود، وإن لم يفصحوا عنه وخانهم التعبير، علامة امتحان وبهرجة شهادات… إنه إرادة النجاح في الحياة كل الحياة… يريدون، وإن لم يعلنوا، أن يكون من أبنائهم العلماء والعظماء والزعماء والقادة! يريدون لأبنائهم أن يكونوا رجالا ونساء يعمرون الأرض بالخير والصلاح… يتقنون الأعمال، ويصدقون الأقوال، ويحسنون الأفعال… أي نعم يؤمنون أن كلا ميسر لما خلق له، وأن الله ما خلق الناس ليكونوا كلهم مهندسين وأطباء… ولكنهم يريدون الفلاح المنتج والصانع المبدع والتاجر الأمين، والمربي الناصح والداعية الفاتح والمعلم الرزين… يريدون الإنسان الذي تتجلى فيه معاني الإنسانية، وتتوازن عنده نزعته الطينية مع سمو الروحانية… إنسان يؤثر ويتأثر، لكنه يسعد ويسعد… إنسان يرضي الله ويرضى عن الله.
* أيها المعلمون؛
المقام ليس مقام تثبيط أو تخويف.. فلا تخافوا.
المقام مقام شحذ للهمم وإيقاظ للضمائر؛
ولئن كانت الآمال عليكم معقودة والطموحات فيكم ممدودة والآفاق واسعة غير محدودة… وأنتم تشتكون ضعف الإمكانات وقلة الحيلة، وتشهدون استقالة الناس وتخليهم عن غايتكم النبيلة…
لئن كان كل ذلك كذلك؛ فلتعلموا أنكم أُنزلتم منزل السيادة، وقُلِّدتم مسؤولية القيادة…
وحق السيادة المشقة، ومهر القيادة البذل والعطاء:
ولولا المشقة ساد الناس كلهم …
الجود يفقر والإقدام قتال.
فلتقدموا للسيادة حقها، ولتبذلوا للقيادة عطاءها… ولا تنتظروا الشكران والمدح والإطراء… فكم كَذَبَ المادحون حتى أهلكوا ممدوحيهم! وأنتم أعرف بأنفسكم من غيركم، فلا تسلموا لتلك الكلمات الطنانة والعبارات الرنانة التي تسمعونها من الوزراء أو من بعض المسؤولين في مناسبات شحيحة كانطلاقة الموسم الدراسي، أو عند إحالة جمع من زملائكم على التقاعد (المعاش)…
قفوا من أنفسكم موقف المحاسب المعاتب المتَّهِم، حتى تسلس لكم وتمضوا بها نحو المعالي.
* أيها المعلمون؛
قد علمتم أن من سار على الدرب وصل، وأن مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة… فاحرصوا أن تضعوا أقدامكم في الدرب الصحيح، وابدأوا السير بخطوات ثابتة من غير إقلال أو تَقَال…
كونوا لتلاميذكم آباءً وأمهات، ولا تكونوا عليهم حكاما وقضاة.
عاملوهم بالرفق، وعالجوهم بالود.
وليكن لهم من حزمكم مقدار من غير مبالغة، ومن تأديبكم نصيب من غير عنف.
احرصوا على دواخلهم وبواطنهم أكثر من حرصكم على الظاهر؛ فلا تكسروا لهم خاطرا، ولا تجرحوا لهم خابرا. وارعوا فيهم النفوس السوية والسليمة من العقد، أكثر من رعايتكم تلقيهم المعارف وحفظهم المعلومات؛ فهذه مقدور عليها في كل وقت، وأما تلك (النفوس السوية) فمتعذر استدراكها في غير هذا الوقت.
لاعبوهم وأنتم تُعَلِّمُون، وعلموهم وهم يلعبون.
خففوا عليهم ثقل المحفظات، وقللوا عليهم الفروض والواجبات.
ولا تجعلوا من المناهج والبرامج حجة لتكليفهم ما لا يطيقون، فإنها ما أعدت بحنكة وحكمة كما تظنون لو تعلمون!
خذوا منها على قدر ما تحتاجون، ودعموها ببحوثكم ومطالعاتكم ونظراتكم فأنتم المجتهدون. لا تكونوا أسرى لكتاب أو مقرر، بل كونوا فرسانا لكل فن وعلم محرر.
لا تجعلوا من تلاميذكم طلاب علامات وامتحانات، وعبيد دبلومات وشهادات… بل ارفعوا لهم سقف الأهداف والغايات، وافتحوا أمامهم الآفاق والطموحات، حتى تصغر عندهم العظائم، وتتربى نفوسهم على العزائم.
لِيَستوِ عندكم الغني والفقير، والقوي والضعيف، واللئيم والنبيل، وذو الجاه والمعدوم؛ الكل على مسافة واحدة من الود والحرص، وعلى مستوى واحد من الحكمة والمعاملة الحسنة.
لا تبخلوا عليهم بجهودكم وأوقاتكم، بل أغدقوا عليهم منها ما استطعتم… ولا تجعلوا من حق نفوسكم وأهليكم حجة في الإقلال، بل اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا).
* أيها المعلمون؛
قد بدأت رسالتي هذه لكم، وما استطعت أن أنهي، إلا بشق النفس وبالإرغام لها… ففي الموضوع مما يقال الكثير. وقد أطلت وما كان ينبغي التطويل… لكنه عظم المقام وعظمة أهل المقام يأبى علينا التقصير…
وقد تقولون: ماذا يحسب نفسه هذا المغرور حتى يخاطبنا فيطيل، وينصحنا فيكثر؟!
والحقَّ أقول: ما أنا إلا واحد منكم، معلم مثلكم، خَبِر الميدان وعايش الواقع، فأراد أن ينصح بادئا بنفسه… وقد وجد في مذاهب الصالحين ما يشد به أزره، ويبرر به نصحه، غير مُدَّعٍ لكمال نفسه أو مزك لها؛ فلقد قال عمر بن عبد العزيز –رحمه الله-: (لو أن المرء لا يعظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه، ويكمل الذي خلق له من عبادة ربه، إذاً لتواكل الناس الخير! وإذاً لرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقل الواعظون والساعون لله بالنصيحة في الأرض).
فعلى هذه النية كتبت، ومن هذا المنطلق نصحت… فإن أصبت فمن الله ولكم الفائدة. وإن أخطأت فمن نفسي القاصرة والشيطان، ولكم أن تجتنبوا الخطأ والإساءة.
غير أني في كل حال، أسألكم الدعاء الصالح، وأستغفر الله لي ولكم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
#عبدالقادربورامة
صباح يوم السبت 30 من ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 31 من أوت (أغسطس) 2019 م. الساعة الواحدة صباحا.
**********************
أرجو أن تصل هذه الرسالة إلى كل المعلمين في العالم، فشاركها وأرسلها لكل من تعرف ومن لا تعرف.

تعليقات الفايسبوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق