معالم سطيف

المسجد الجامع العتيق بسطيف

تشتمل ولاية سطيف على الكثير من المواقع الأثرية ذات الأهمية الحضارية والتاريخية والتي تتوزع على كل ربوعها متحدثة بلسان حالها عن أيامها الخالية وحضاراتها المتعاقبة من عصور ما قبل التاريخ إلى أيام المستدمر الفرنسي والتي تشكل في مجملها مادة دسمة للمؤرخين والباحثين المهتمين بتوثيق أخبارها وحفظها كتراث حضاري لا يقوم بمال ولا يعوض
بحال، قبل أن تعدو عليه عوادي الزمن ويصبح خبرا بعد عين.
ومن هذه المعالم نجد المسجد الجامع العتيق المنتصب بكل كبرياء وشموح معبرا عن أصالة المدينة وهويتها الحضارية التي لم تكن يوما غير الإسلام.

يعد جامع العتيق بمدينة سطيف الجزائرية، نموذجاً فريداً من تاريخ العمارة العثمانية و درة في تاريخ المساجد الأثرية بالمدينة، و دليلاً قويا على ما وصلت إليه الحضارة الإسلامية في العصر العثماني بالشمال الإفريقي. و يتميز هذا الجامع بزخارفه الإسلامية العثمانية البديعة التي جعلته أحد النماذج النادرة للفن و العمارة الإسلامية بسطيف بدولة الجزائر، فبمحافظته على معالمه الأصلية منذ نشأته سالمة، ميزة هامة أهلته عن جـدارة بأن يمثل أحد العينات النادرة، حيث تجلت فيه متانة البنيان، و دقة الهندسة و جمال فن العمارة الإسلامية. أما البصمة العثمانية فهي الأوضح و الأبقى من خلال هندسة الجامع و بقاياه الأصلية كالزخارف من الداخل و الخارج و بعض النوافذ، بالإضافة إلى بعض الآيات القرآنية بداخله و في مختلف زواياه، أما بالنسبة للتخطيط الداخلي للجامع فهو عبارة عن قسمين به شق قديم، ذو شكل مستطيل و شق جديد، ذو شكل قريب من المربع مهيئين للصلاة كما به محراب و هو باقة من الزخرفة تبهر العين بقدر ما تسحرها، خاصة مئذنته التي لا تزال تشهد إلى اليوم عبقرية الفن الإسلامي.

يتكون هذا المسجد العريق من طابقين، و به حوالي اثنين و خمسون نـافدة ذات قمم بيضاوية يتحفها زجاج ملون زادته رونقاً و جمالاً به مدخلين تبرز من خلال هندسته الأنيقة والمهذبة، خاصة مئذنة ذات الشكل رباعي الأضلاع. و يستوعب ثلاثة آلاف مصلي يوميا و في الجمعة و الأعياد حوالي ألف و خمسمائة مصلي، و تشير إحدى المراجع، أن الجامع العتيق هو أول المعالم و الوحيد الذي شُيد بمخطط عمراني  فريد  عن عمارة المساجد الإسلامية المعهودة في بلادنا منذ الفتح العربي الإسلامي لشمال إفريقيا خاصة مئذنته التي ما زالت تشهد إلى اليوم عبقرية الفن الإسلامي.

النشأة التاريخية للجامع

رغم كونه الوحيد بولاية سطيف المصنف من قبل وزارة الثقافة بوثائق رسمية، ورغم أهميته التاريخية باعتباره أقدم مساجد المدينة التي تعد المساجد فيها بمثابة قطب الرحى في الحياة الاجتماعية للسكان. رغم كل هذا لم يكن الجامع العتيق نشازا في افتقاره للوثائق والدراسات التي تؤرخ له وتزيل اللبس عن تاريخ تأسيسه ومن بادر إلى تشييده . ولعل
دراسة وافية عن معالم المدينة أواخر العهد التركي وأوائل العهد الاستعماري كفيلة بالإجابة على الكثير من التساؤلات التي تفرض نفسها على كل متأمل في خصائص هذا الجامع.

فحسب بعض الدراسات شيد الجامع العتيق على أرض محبوسة من طرف امرأة كرغلية على نفقة السكان الأهالي اعتمادا على النمط المعماري المحلي الممزوج بالطابع العثماني المتجلي في المأذنة بشكل خاص وهو ما يجعل تشييده ينسب إلى أواخر العهد
العثماني وشرف بنائه لسكان المنطقة وعلى نفقتهم الخاصة.

لكن بالعودة إلى الكتابات التأسيسية والتواريخ الثلاث الموجودة به نجد أن تاريخ تأسيسه يرجع إلى العهد الاستعماري وذلك من خلال الكتابات التالية:

اللوحة التأسيسية المستطيلة الشكل الموجودة أعلى المدخل الرئيسي والتي كتبت عليها العبارة التالية بخط الثلث: 1262 هـ/ 1845 م من دخول الفرنسيين.

التاريخ الثاني على جانبي المدخل الأوسط المؤدي إلى بيت الصالة، جانبه الأيسر به
كتابة بخط النسخ وبلغة ركيكة في سطرين:
سلطاني أفرنصة لويز فليب الذي بنصر المعز قد ملأ الحق فخره «سلطان فرنسا لويس فليب الذي بنصر المعز قد ملا الحق فخره» وفي جانبه الأيمن كتب: ببلد سطيف مسجدا للصلوات يخلد للناس بالشكر ذكره. ودون أسفل الكتابة الأولى في زخرفة على شكل خرطوشة التاريخ القمري باليوم والشهر: 20 ذي الحجة. وأسفل الكتابة الثانية خرطوشة
بها السنة بالتاريخ الهجري: في سنة 1263 هـ.

أما التاريخ الثالث فيوجد في أقصى الركن الجنوبي الشرقي من بيت الصالة داخل خرطوشة بها العبارة التالية بالخط النسخي المورق: وما توفيقي إلا بالله كتبه محمد بن الآغة سنة 1264 هـ. وهو تاريخ الفراغ منه الموافق لسنة 1847 م.

وتعد هذه التواريخ الثالث الكتابات التوثيقية الوحيدة التي تؤرخ لتأسيس الجامع المنسوب فضل بنائه لملك فرنسا لويس فليب، لكن الكثير من الباحثين والمهتمين يشككون في هذه النسبة وهي عندهم محل نظر بالنظر لمعطيات علمية وتاريخية، فمتى كان الاستعمار الفرنسي يشيد مساجد للأهالي وهو الذي لم يدخر جهدا من يوم دخوله في تقويضها سواء بالهدم أو التحويل إلى كنائس وثكنات وإسطبالت لخيوله فهو بطبعه لا يرعى في مؤمن إلا ولا ذمة والجزائر العاصمة شاهدة على أفعاله فمن ضمن 106 مساجد كانت تزينها يوم دخوله لم يبق منها غير أربعة مساجد يوم دحوره وجلائه عنها ولعل دراسة جادة في تاريخ هدا الجامع وحدها كفيلة برفع اللبس.

أهم الترميمات والتوسعات التي أدخلت عليه

لعل مايميز المسجد الجامع العتيق هو تواجده في حالة جيدة من الحفظ والصيانة رغم الحركات الزلزالية التي مافتئت تشهدها المنطقة. وقد عرف البناء الأصلي إزالة الصحن بالكامل والذي أضيف إلى بيت الصلاة، كما دعم بدن المئذنة بمماسك حديدية لتأثره بالحركات الزلزالية إضافة إلى تزويد السقف بقنوات برونزية لصرف مياه الأمطار وقد أجريت أولى الترميمات والتوسعيات على الجامع في الفترة الممتدة بين 1926 و 1930 بناءا على ملف إداري خاص به محفوظ في مركز الأرشيف بمدينة إكس أون بروفونس الفرنسية.

القسم الشمالي الشرقي للجامع العتيق قبل توسيعه وهو إلى اليوم على حاله محافظا
على عمارته الأصيلة بمئذنته التي جمعت بين العمارة المحلية رباعية الأضلاع ممزوجة
بالفن المعماري العثماني ذي الشكل الدائري أو القلمي.

زخارف الجامع وكتاباته

يعد الجامع العتيق من بين العمائر الدينية النادرة والمتفردة بخصائص عمرانية وزخرفيه جمعت بين الطابع المحلى والعثماني الممزوج بفنون العمارة الأندلسية في مزج فريد أكسبه أهمية بالغة في ميدان الدراسة المعمارية، ويتجلى الأسلوب العثماني في بناء المساجد بإعتماد نظام البهو الذي يتقدم بيت الصلاة. واستحداث الصحن ذي الأروقة الجانبية إضافة إلى تعدد المحارب وامتداد بيت الصلاة طوليا من الشرق إلى الغرب. وكلها خصائص بارزة في الصور القديمة للجامع.

أما زحارفه فقد غلبت عليها الأشكال الهندسية من مثلثات ومعينات وأخرى سداسية الأضلاع وهي زخارف طاغية على بدن المؤذنة وواجهة المحرابان والرواقان بالطابق العلوي، فيما رسمت زخارف السقف بالطلاء على شكل أطر بارزة نحو الأسفل.

أما الزخارف الكتابية فمنها كتابات تأسيسية تذكارية والتي نجد منها كتابة على لوحة مرمرية باللون الأخضر بالطريقة البارزة واللهجة الركيكة بها تاريخ التأسيس بالسنة الهجرية والميالدية وضعت فوق المدخل الرئيسي بالخارج. وأخرى نفذت على الجص بالطريقة البارزة أيضا بها اسم الملك الذي شيد في عهده الجامع وتاريخ التأسيس بالهجري مع الدعاء بالنصر وعبارة التبرك والتفخيم «ماشاء الله».

أما الكتابات الزخرفية غير التأسيسية فنجدها على طول الواجهة الجانبية لدعامات قواعد الرواقين للطابق العلوي داخل خراطيش سداسية الأضلاع. وهي في مجملها آيات قرآنية وعبارات ممجدة للنبي صلى الله عليه وسلم وأسماء الخلفاء الراشدين والتي تنتهي
بخرطوش به اسم الخطاط وتاريخ نهاية الزخرفة والعبارة هي: وما توفيقي إلا بالله
كتبه محمد بن الآغة سنة 1264 هجري.

منارة الجامع

منارة الجامع العتيق تحفة معمارية عز نظيرها فيما هو متعارف عليه من العمائر الإسلامية، سواء في شكلها الهندسي أو في زخارفها الخارجية كما أن بناءها الحجري قد زادها تميزا ورونقا وجمالا وفوق هذا ثباتا عبر الزمن فهي إلى اليوم على حالها تدعوا الباحثين والمهتمين لتوثيقها وحفظ تاريخها كما حفظت هي للمدينة هويتها الحضارية.

الترميمات التي مست الجامع العتيق:

بقي هذا الجامع على مرّ العصور التي تعاقبت على مدينة سطيف الجزائرية الأثر الخالد، حيث و بالرغم من الهزات الأرضية  و التي من أعنفها ذلك الزلزال الذي ضرب المدينة في ستينيات القرن الماضي، ثم يعود ليقف شامخاً شاهداً على التاريخ من جديد، حتى أصبح و كأنه متحف جزائري تخبئ جدرانه تاريخ أقدم مدينة مأهولة في الشمال الإفريقي الجزائر الفيحاء.
حسب فضيلة الدكتور إبراهيم بودوخة إمام بالمسجد أن هذا الأخير  قد عرف ترميم قبل الاستقلال أُحدث فيه الزليج أما بعد الاستقلال فإصلاحات خفيفة مع إضافة زليج يشبه الزليج القديم بالجامع الجديد و كذا إزالة الصحن لتوسيع بيت الصلاة و تثبيت بعض المماسك الحديدية على قبيبة جوسق مئذنته المتصدع بفعل الحركات الأرضية و تبديل أحد المجنبات العلوية الخشبية الأصلية بسياج حديدي، و تزويد السقف من الخارج بقنوات برونزية لصرف مياه الأمطار و الثلوج عليه، و تعويض دفتي الباب الوسطى من مداخل بيت الصلاة بدفة واحدة.

خطباء ومدرسي الجامع العتيق

كان الجامع العتيق من يوم تأسيسه منبرا للكثير من الخطباء والمدرسين الذين تعاقبوا
على اعتلاء منبره وتداولوا على بث العلم وتعليم أحكام الدين. غير أن سيرهم وأحبارهم
وآثارهم القلمية لازالت بحاجة لمن يقوم على جمعها وإعادة نشرها بين الناس.

من خطباء الجامع

الشيح أبو طالب الإغريسي: قريب الأمير عبد القادر الجزائري وصهر الشيخ عبد القادر
المجاوي من مواليد وادي الحمام قرب معسكر سنة 1252 للهجرة أخد عن علماء فاس وبها
حفظ القرآن الكريم ودرس بجامع الزيتونة وجالس علماء بلاد الشام وانتفع بهم ثم قفل
راجعا ونزل ببلد سطيف قال الشيح الحفناوي في كتابه تعريف الخلف برجال السلف: وفي
سطيف اشتهر أمره وظهر علمه وقيد التقاييد العجيبة وأنشأ القصائد الطنانة … والحاصل
أنه رجل مشهود له بطول الباع في القريض والتوثيق ومعرفة النوازل. وتوفي رحمه الله في سطيف سنة 1307 ودفن بمقبرتها قرب ضريح الولي الصالح سيدي سعيد الزواوي بمزلوق.

الشيخ عمار بن سعود: في أواخر القرن التاسع عشر.

الشيخ بن ساعود الساعودي: الملقب بالمسعود خلفا لشقيقه لمدة أربعين سنة من
1897 إلى سنة 1938 تاريخ وفاته رحمه الله.

الشيخ سعيد الزروقي: الذي شغل منصب الإفتاء أيضا.

الشيح محمد الطاهر خبابة: الذي تولى أيضا مسؤولية الإفتاء ويظهر في وسط
الصورة وعن يساره الشيخ العيفة عيادي من أشهر العلماء الذين اعتلوا منبر هذا المسجد.

من تراث الجامع العتيق

إن الحديث عن الآثار القلمية للأئمة والعلماء الذين درسوا في هذا الجامع يدعونا إلى فتح موضوع آخر ذي صلة ألا وهو دوره الحضاري الذي قام به وموقفه من الأحداث التي تعاقبت عليه وكان شاهدا عليها. وهو أمر يتطلب دراسة وافية للخطب التي كانت تلقى والمواضيع التي تمحورت حولها ومدى ارتباطها بالأحداث المعاشة وهي دعوة نوجهها للمهتمين بمثل هذه الدراسات كي يدلوا بدلوهم في هذا الجانب.

ونكتفي في هذه العجالة بتقديم نموذج من هذا التراث القيم الذي حفظ من الضياع متمثلا في مخطوط لخطب الشيخ ساعود المسعود وهو محفوظ بعناية وفي حالة جيدة. مكتوب على ورق أصفر بخط مغربي جميل مع عناية تامة بشكل المفردات بحبر أحمر وبمعدل ثلاثة وعشرين سطرا في كل صفحة مع ترك مساحة جانية لكتابة الحواشي والتعليقات.

وكل متأمل لهدا المحطوط يلاحظ شدة عناية المؤلف بخطبه وحرصه على تنميقها شكلا ومضمونا وبعده عن الارتجالية. ما يعني احترامه لعقول سامعيه وللمنبر الذي يرتقيه.

بهذه الطريقة كان الشيخ المسعود يدون خطبه ويعتني بتحبيرها وشكل مفرداتها حتى وصلت إلى أحفاده الذين سلموها إلى مديرية الشؤون الدينية لولاية سطيف.

ختاما فإن الدراسة التاريخية الجادة لن تزيد هذا الجامع إلا سموا، ما من شأنه أن يعزز من مكانته كواجهة حضارية للمدينة ويرفع من قيمته الفنية كمنشأة عمرانية ذات خصائص قلما اجتمعت في غيرها.

المراجع

ملف حول المسجد من إعداد مديرية الشؤون الدينية والأوقاف لولاية سطيف.
تعريف الخلف برجال السلف لأبي القاسم الحفناوي ط 2 1985 مؤسسة الرسالة بيروت
لبنان.
مجلة الشهاب العدد العاشر محرم 1433/جانفي 2011م

تعليقات الفايسبوك

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق