أخبار الجزائربوليتيك

الحراك بين زيتوت وجربوعة!

اقرأ في هذا المقال

  • سيد نفسه من لا سيد له
  • نحن أحرار بمقدار ما يكون غيرنا أحرارا
  • ليس من المنطق أن تتباهى بالحرية و أنت مكبل بقيود المنطق
  • حيث تكون الحرية يكون الوطن
  • ليس من المنطق أن تتباهى بالحرية و أنت مكبل بقيود المنطق
  • إذا تكلمت بالكلمة ملكتك وإذا لم تتكلم بها ملكتها

الجزء الأول …

الحراك الجزائري معقد أكثر مما يحاول البعض أو الكثيرون اختزاله…. صحيح عندما تنزل في كثير من المدن الجزائرية ( باستثناء العاصمة ) تشعر وكأن المطالب موحدة وأن لا خلاف كبير بين صفوف المحتجين… …ولكن قناعتي أن هذا لا يعكس حقيقة ما يحدث في مفاصل الحراك ولا على مستوى الشخصيات والفئات والحركات السياسية التي تستثمر في هذا الحراك سياسيا وستجني ثماره أو أشواكه…

لهذا وجب أن نحاول فهم سبب هذا الانقسام وحجمه وعلاقته بحقيقة الصراع على السلطة في الجزائر والتغيير.. فهناك مشروعان يسيران بالتوازي في هذا الحراك..صراع عصب السلطة ورغبة اغلبية الجماهير في اصلاع وتغيير ديمقراطي حقيقي…
الشاهد أننا أمام ثلاثة رؤى كبرى …

أولا..هناك تيار يقف موقف العداء الكلي من الجيش..وهذا التيار ليس كتلة واحدة..ولكن من أبرز كتله كتلة من ناصروا الجيش في التسعينات بقيادة ضباط فرنسا صراحة أو ضمنيا ورضوا بتقاسم الجيفة معه، وجزء كبير منهم رضوا بأهم مخرجات آخر دستور وهللوا لها ويرفضونه الآن….ويقتصرون العصابة في جناح بوتفليقة ويختزلون أزمة الجزائر في عهدة بوتفليقة أو في بوتفليقة وحده تقريبا وجماعته…والكتلة الثانية هي ما يمكن أن نسميها كتلة العربي زيتوت حتى لا أقول رشاد…وهنا سأتحدث بصراحة ومن دون تلميح بخصوص الأخ العربي زيتوت…لأن المرحلة تقتضي المصارحة ولا شيء آخر..ولا يمكن الصمت عنها بحجة وحدة الصف ..

العربي زيتوت عرفته منذ سنوات عديدة..وكان معارضا شرسا للنظام بشكل جذري بصفته الشخصية أو كعضو قيادي في حركة رشاد، والتي كانت بالنسبة لي أفضل حركة تحمل مشروعا سياسيا وطنيا..ولكن الماضي النضالي للعربي زيتوت لا يجعل منه حتما شخصا فوق النقد أو يحوله إلى صنم مثلما يفعل البعض..فالعبرة بالأفكار والمآلات وليس بالأشخاص
والماضي..
وحتى أكون مختصرا قد الإمكان..أقول أنه بالنسبة لي صدمت كثيرا بانحراف الخطاب السياسي لزيتوت..وخاصة منذ أن وضع يده في يد صبي تافه أعتبر مجرد الجلوس معه مسبة لكل كريم وصاحب مروءة..فما بالك أن يروج له المرء ويجعل منه أيقونة سياسية..فهذا يعتبر إهانة للنضال الشريف وهذا الشعب وقضيته …ثم ما لبث أن أصبح زبتوت يبرر ما لا يبرر من مشاهد رأيناها في هذا الحراك…ولكن دعنا نتجاوز كل هذا لنتحدث عن ما أعتبره أخطر ما في خطاب السيد زيتوت هذه الأسابيع…

الممتبع لخطاب زيتوت من خلال بثه المباشر اليومي المتواصل يجد أن الرجل يشن حربا على قيادة الجيش الحالية ، حربا لا هوادة فيها ..بل تجد يأمر وينهى ويهدد قيادة الجيش وبالأخص القايد صالح ..و يهدده بفتح ملفات فساده..إلخ.. طبعا في بعض الأحيان يتراجع قليلا ويمني القايد صالح بالعفو عليه إذا ما لبى مطالب الشعب غير منقوصة..
هذه اللهجة الهجومية وحرب كسر العظام مع قيادة الجيش الحالية في الحقيقة جعلتني فعلا في حالة تساؤل دائم..
هل الرجل يعي ما يقول.؟ أم هي مجرد شعباوية وعنتريات فارغة؟..أم هي تحالفات ومشاريع نجهل طبيعتها.؟

والحقيقة عندما استمع لزيتوت وهو يخاطب قيادة الجيش الحالية أشعر وكأنه يخاطب الجنرال تواتي ..تواتي ..نزار..توفليق…العماري..قنايزية.. إلخ من جنرالات الدم وكبرنات فرنسا..بل الأغرب أنه يحمل قيادة الجيش الحالية مسئولية ما حدث في التسعينات..وهذا لا يقبله عاقل..مهما كان فساد القيادة الحالية وفساد القايد صالح..فبالعودة إلى كلام زيتوت نفسه في التسعينات والسنوات الماضية نقف على سيناريو آخر تماما..وفي الحقيقة لا يحتاج المطلع للعودة إلى كلام زيتوت ليعلم أن القيادة الحالية وبما فيهم القايد صالح نفسه وأغلب ضباط الجيش في التسعينات لا علاقة لهم مباشرة بمآسي التسعينات..فهم أنفسهم كانوا ضحايا لفتنة ولعبة قذرة …وهذا في نفسه لا ينفي الفساد المالي على أحد والتربح من المنصب..فالأمران مستقلان لمن لديه قليل من العقل…

يصور العربي زيتوت القايد صالح أنه هو النظام وهو رأس الفساد وسبب مآسي الجزائر، وفي نفس الوقت مفتاح الحل ..ولكن تمنيت من السيد زيتوت أن يحدثنا بالتفصيل عن فساد القايد صالح المالي ( والذي نعرف ونسمع عن بعضه) وليقارنه في نفس الوقت بفساد أقل رجل أعمال ينتمي إلى منتدى حداد..فما بالك بربراب أو كونيتاف…
هل في بلد يأخذ فيه رجل أعمال مثل طكحوت قرضا بنصف مليار دولار وقطعة أرض مهولة مجانا تعتبر مخبزة تمول الجيش فسادا؟ أو فيلة هنا أو هناك أو استيلاء على قطعة أرض هنا أو هناك فسادا ؟ ..هل القايد صالح يجلس مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ليحدد السياسات النقدية للبنك المركزي مثلما كان يفعل الجنرال تواتي.؟ هل القايد صالح مؤثر في السياسات النقدية والمخطط الاقتصادي للبلاد عدا ما يحدث في الجيش؟. 
هل الفساد في الجزائر ومربط الفرس الحقيقي هو في هذا الفتات من الفساد؟ هل هكذا يفهم السيد زيتوت الفساد المؤسساتي والتبعية للخارج؟

ثانيا…ما سر هجوم كل القيادات والتيارات والوجوه السياسية التي باركت انقلاب 92 وتحالفت مع كبرنات فرنسا على الجيش وقيادته الحالية؟ 
وحتى أكون واضحا..فلا أعتبر هذا دليلا كافيا على صلاح أو وطنية القيادة الحالية… ولكن أقول أن هذا فعلا يدعو للاستغراب..

ثم لماذا كل هذه الوجوه والاحزاب السياسية تنتقد الجيش بشكل ذكي وتلمح بينما وُضع العربي زيتوت في فوهة المدفع ليكون عرابا لهم ، ويجعل من الصراع السياسي معركة صفرية مع قيادة الجيش الحالية؟

هل السيد زيتوت يعلم يقينا أنه في نهاية المطاف ستتم الاطاحة بالقايد صالح وتتولي قيادة جديدة زمام الأمور في الجيش؟ 
فإذا كان كذلك..فهل يعلم السيد زيتوت أن هذه القيادة ستكون وطنية وليست استئصالية تجعلنا نترحم على القايد صالح ورفاقه.؟
…وإذا كان يخوض حربا مع قيادة الجيش على غير بصيرة، ألا تعتبر هذه مغامرة ومراهقة سياسية لن تؤدي في نهاية المطاف إلا لصدام خاسر تماما مع الجيش..أو لتفتت الجيش نفسه ودخول البلاد في أتون فتنة داخلية؟.

وماذا لو استتب الأمر للقيادة الحالية واستطاعت أن تنقل البلاد إلى نوع من الانفتاح السياسي المقبول والمتوازن.. ماذا سيكون مصير العربي زيتوت الذي حرق جميع مراكب العودة؟.

والسؤال الأخير..ألم يكن من الممكن لهذه القيادة التي تصفونها بالعميلة للخارج والغرب أن تقوم بانقلاب وتعين سلطة مدنية مثلما فعلت قيادة التسعينات، وتدير المشهد من الوراء،؟ ونحن نعلم يقينا أن وجوها سياسية كثيرة في الحراك ومتصدرة له ستحفظ مصالح فرنسا والغرب وتسير على نهج التسعينات الذي شاركت فيه بشكل أو بآخر..سرا أو علنا..
وإذا قال البعض..أن الغرب يقف ضد الانقلابات، فأقول أن هذا خطأ تماما..فالغرب يرحب بكل إنقلابي يأتي ليخدم مصالحه..في مصر وليبيا وغيرها…

أخيرا..أقول أنني أتأسف كثيرا، وبصرف النظر عن طبيعة قيادة الجيش الحالية، عن المآل الذي آل إليه سياسي ومناضل بحجم زيتوت..فلقد كان بالنسبة لي رمزا للنضال الشريف والثبات على الموقف…ولكن للأسف كما يقول المثل..آخر السبولة قطع صبعو!

الحراك بين زيتوت وجربوعة!
الجزء الثاني….

قبل الحراك لم أكن أعرف جربوعة إلا كشاعر ..وعرفته بقصيدته عن آل سعود والتي اعجبت بها أيما إعجاب..ثم قرأت للرجل كثيرا من المقالات السياسية منذ بداية الحراك..فوجدته صاحب بيان..وليس غريبا فهو الشاعر..اتفقت مع عدد من تحليلاته..ولكن مثله مثل زيتوت..لمست شططا وإيغالا في الخطاب الذي يفرق ولا يجمع و يعمل إلى ارسال رسائل تنويمية لمتابعيه، ويريد من متابعي حسابه أن يكونوا مجرد أتباع بلا عقل ولا بصيرة..

لا أريد أن أخوض في شخص الرجل وتقلباته وماضيه وطموحاته..فهذه أمور تخصه ..ولكن ما يهمني حاضر الرجل من خلال ما يكتب ويوجه به متتبعي صفحته وهم كثر.

منذ فترة بدأت تصلني رسائل على الخاص أو تعليقات يسألني أصحابها عن رأيي في ما يكتبه جربوعة…وها أنا في الجزء الثاني من منشوري أقدم رأيي

يرتكز خطاب جربوعة على نقطتين أساسيتين..النقطة الأولى هي ضرورة الوثوق في القيادة الحالية للجيش ثقة عمياء فهي التي ستصل بنا إلى شاطيء النجاة..والنقطة الثانية..الحرب على الدولة العميقة واختزالها في المشروع البربري واستعمال خطاب يشحن فئة من الشعب ضد فئة أخرى ..

بخصوص النقطة الأولى..هنا نجد أنفسنا أمام خطاب معاكس تماما لخطاب الأخ العربي زيتوت..فهنا نحن مدعوون أن نسلم رقابنا للجيش وقيادته..وأن نقبل بكل ما يطرحونه..وبالضبط خريطة الطريق الحالية..لأن البديل حسب السيد جربوعة هو أن تعود منظومة توفيق ونترحم على ايام بن غبريط..ولهذا على الحراك أن يتوقف…
طبعا التبريرات والمسوغات التي يقدمها السيد جربوعة تقوم على فكرة بسيطة..وهي البناء على المعطيات الصحيحة والوقائع التي يقبلها العقل ثم بعدها تحدث القفزة التي لا تعدو كونها جملا انشائية واستعمال خطاب يخاطب عاطفة فئة من الجزائريين شعرت بهجمة شرسة على مقومات هويتها ولغتها ودينها…ولكنها أبعد ما يكون عن المبررات المنطقية والسياسية ..بل تكاد توحي إلى المتتبع أنه لا يفهم ولا يعقل وما عليه إلا أن يتبع ويصمت..لأنه أمام مشروع مخابراتي مؤامراتي عظيم …

أما النقطة الثانية. وهي خطاب ان البديل لعدم قبول السير وراء القيادة الحالية للجيش هو عودة دولة توفيق ومنظومتها ..وهنا يتم أيضا استعمال فكرة تبدو منطقية وحقيقة سياسية..وهي وجود الدولة العميقة بمالها وادارتها واعلامها ونفوذها شبه المسيطر على كل مفاصل الدولة واقتصادها..للتأسيس لخطاب كراهية ضد فئة من الشعب الجزائري واختزال كل شيء في خطاب كراهية أو عنصرية مقيتة صادرة من مجموعة بصرف النظر عن حجمها، وهذا انطلاقا من منطق عرقي عصبي معاكس..منطق العربي ضد غير العربي تقريبا… من دون مراعاة لتعقيد المشهد وضبابية الرؤيا لدى كثير من الشباب الذي وقعوا ضحية لسياسات دامت لعقود، وأصبح من المستحيل مخاطبتها بلغة معاكسة تماما بقدر ما يحتاج الأمر إلى مناضرة بالحجة وحوار ولغة الاحتواء وتفكيك الحواجز النفسية مع العقلاء.
.

أخيرا..أقول لجربوعة وأنصاره ..أننا ما رفعنا أقلامنا ، قبل الحراك وبعده، إلا دفاعا عن حريتنا ولغتنا وديننا و انتمائنا الحضاري وعن جزائر مستقلة ذات سيادة حقيقية، يعيش فيها جميع الجزائريين مواطنيين متساويين في الحقوق والواجبات..وإن معركتنا هذه ستستمر فيها، وسنرفض أي خطاب سياسي ينطلق من منطلق عرقي، عربي أو بربري أو أمازيغي..او يحاول أن يقزم هويتنا أو يفرض علينا قراءة خرافية للتاريخ..

كما أنه لا المنطق ولا العقل ( الذي ينكره السيد جربوعة ويجعله حكرا عليه تقريبا) يقبل أن نقبل بإملاءات قيادات الجيش ونجعل منهم منقذي الجزائر وقادة تحولها الديمقراطي، وجميعنا يعلم الدور الكارثي الذي لعبته جيوشا عربية كثيرة..وكذلك الجيش الجزائري في التسعينات… ولكننا في نفس الوقت لا نزال نأمل أن يلعب الجيش الجزائري هذه المرة دورا وطنيا ويوظف قوة إكراهه بما يخدم مصلحة الشعب والجزائر …فهناك متسع لفعل الكثير…ولكن شخصيا لا استبعد حسب تجارب سابقة أن تسلك قيادات الجيش في نهاية المطاف مسلكا معاكسا لإرادة أغلب الشعب وتصطف مع من يبدون اليوم في حالة خصام مع الجيش…لأن التاريخ علمنا أن مهاجمة دوائر غربية أو أطرافا سياسية لقيادات الجيش أو غيرها من القيادات السياسية ليس دليلا أنهم البديل الأفضل أو أنهم كما نتصور..فعبد الناصر هاجمته بريطانيا وفرنسا واسرائيل..وكان وبالا على الشعب المصري وعلى الأمة الاسلامية..والأسد في سوريا ..إلخ.

ملاحظة: لا يحق لمن يدافع عن من رفعوا أعلاما غير العلم الوطني في الحراك أو في مكان آخر، أو الذين رفعوا صورا لشخصيات تمثل رموزا للعنصرية ..أو اختزلوا الهوية الجزائرية اختزالا عنصريا مريضا ، أقول لا يحق لهم أن ينتقدوا خطاب جربوعة أبدا، فهو مجرد خطاب أشبه بردة الفعل المعاكسة من طرف من لا يملكون لا قنوات تلفزيونية ولا وجرائد ولا منابر اعلامية..وهنا أدعو من يتقنون الفرنسية أن يقرؤوا مقالا مطولا نشر أمس في جريدة الوطن تحت عنوان
Du système, du peuple et de l’algerianite
ليقفوا على حجم العنصرية والاقصاء والمشاريع التقسيمية الخبيثة التي يتم الترويج لها في هذه المرحلة الحساسة.

أخيرا أقول لإخوتي الجزائريين جميعا وخاصة المعجبين بطرح جربوعة ماقاله نصر بن سيار…..

أرى تحت الرماد وميض جمر * ويوشك أن يكون له ضرام

فإن النار بالعودين تُذكى * وإن الحرب مبدؤها كلام

فإن لم يطفها عقلاء قوم * يكون وقودها جثث وهام

تعليقات الفايسبوك

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
22 ⁄ 2 =


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق